ابن قيم الجوزية

350

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

عائشة : ناشئة الليل القيام بعد النوم ، وهذا قول ابن الأعرابي ، قال : إذا نمت من أول الليل نومة ، ثم قمت ، فتلك النشأة ، ومنه ناشئة الليل . فعلى قول الأولين ناشئة الليل بمعنى من ، إضافة نوع إلى جنسه ، أي : ناشئة منه ، وعلى قول هؤلاء إضافة بمعنى في ، أي : طاعة ناشئة فيه ، والمقصود أن الإنشاء ابتداء ، سواء تقدّمه مثله كالنشأة الثانية ، أو لم يتقدمه كالنشأة الأولى ، وأما الجعل فقد أطلق على اللّه سبحانه بمعنيين : أحدهما الإيجاد والخلق ، والثاني التصيير . فالأول يتعدى إلى مفعول ، كقوله : وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ( 1 ) [ الأنعام ] . والثاني أكثر ما يتعدى إلى مفعولين ، كقوله : إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا ( 3 ) [ الزخرف ] . وأطلق على العبد بالمعنى الثاني خاصة ، كقوله : وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً ( 136 ) [ الأنعام ] . وغالب ما يستعمل في حق العبد في جعل التسمية والاعتقاد حيث لا يكون له صنع في المجعول كقوله : وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً ( 19 ) [ الزخرف ] وقوله : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا ( 59 ) [ يونس ] وهذا يتعدى إلى واحد وهو جعل اعتقاد وتسمية ، وأما الفعل والعمل فإطلاقه على العبد كثير لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 79 ) [ المائدة ] ، لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 62 ) [ المائدة ] ، بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 105 ) [ المائدة ] ، وأطلقه على نفسه فعلا واسما ، فالأول كقوله : وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ ( 27 ) [ إبراهيم ] والثاني كقوله : فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ( 16 ) [ البروج ] وقوله : وَكُنَّا فاعِلِينَ ( 79 ) [ الأنبياء ] في موضعين من كتابه : أحدهما قوله : وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ ( 79 ) [ الأنبياء ] والثاني قوله : يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ ( 104 ) [ الأنبياء ] .